حتى الآن، لا جديد. الوفاء لا يرتبط بالمواسم. والرجال أكبر من توقيت ورقة تقويم، وذكرى عابرة. لماذا لم نتحدّث عن فرمان من قبل؟ لماذا ما زلنا "نتحدّث"، أعني "نسولف" عن فرمان حتى الآن؟ السؤال الأكثر بشاعة: لماذا لم نكرّم فرمان حتى الآن؟ السؤال الأخير في لعبة التساؤلات التي تجري في وطني: من هوَ فرمان أصلاً؟ فرمان يا صديقي، عامل"بقالة" بسيط، "أجنبي" ووحيد، يُقرِض الناس، في أغنى بلد نفطي، يمدّ لهم دفتره الممتلئ بتواقيعهم وديونهم، بعهودهم ووعودهم، أن يكون حضورهم لديه يوم الراتبِ أكيداً، هو الذي كان يصدّقهم، ويعرف أنّهم فقراء، كهوَ، وأنّ كل الذي عليه، أن يذكّرهم بذلك الموعد، وضحكة بسيطة، علّ هماً طويلاً، ينجلي. لا تصدّق يا عزيزي، قصة رجل الجوازات، الذي وبّخه يوماً لاقتراب انتهاء تأشيرته. ولا تفكر بأن فرمان، تذكر دفتره الممتلئ بتأخير مواطني رجل الجوازات هذا، عن سداد ديونهم، ولا تقل لي بأي طريقة كان أطفال الحي "العشوائيّ" البسيطِ الغريقِ البعيد، الذي كان يسكن فرمان وإياهم، ينادونه بها!! ولا تقل لي بأنّ المطر منحنا منحتين: منحة أن نتخلص من دفتر فرمان، الممتلئ بمواعيد سداد فقرنا، ومنحةَ أن يزورنا المسؤول، فيعرفَ سعادته أنّ هذا الحيّ يقع في مدينة جدة، عروس البحر الأحمر، لا في مقديشو، عروس الموت الأسود. مات "فرمان"، رحل قبل أن تكون له العنصرية بالمرصاد،. فرمان، "عامل أجنبي"، "صديق"، "رفيق"، أي شيء آخرَ يمكن أن يكون إلاّ أن يتعلّم ترديد أغنية: "ارفع راسك إنت سعودي، غيرك ينقص وانت تزودي". حين وقّع "فرمان" على تأشيرة دخوله لهذا البلد، كان فيها عدّة محاذير: ألاّ يسافر إلاّ بإذن "كفيله"، وألاّ يعمل أي عمل، إلاّ المنصوص عليه في دفتر إقامته، وألاّ يخالف نظام الإقامة ومواقيتها، وألاّ، وألاّ... وهو لم يخالف ذلك أبداً، لكنّ الإنسانيّة كانت أكبر. تعاقد من النبل، وقّع عقداً مفاجئاً مع البطولة، أنقذ (14) نفساً، بالطبع، دون إذن الكفيل، ولا الحكومة، ولا الموتى/الأحياء أنفسهم.
***
هو الأجنبيّ العابر إذاً، ونحن المواطنون الدائمون، في تربية وعبارات من سياق "إحنا أحسن من غيرنا"، رأينا كيف يخذلنا المسؤول، الباحث عن الكاميرا قبل الضحية، وعن الصحيفة قبل الحفرة، وعن التبرير قبل التحقيق. هو يا صديقي، ليس مشروع تخوين، ولا تسفيل لما قام به الآخرون، ولا هو أيضاً، بمنصة تكريمٍ المسؤولينَ، الآخذينَ رزم رواتبهم أصلاً من أجل هذا العمل، والذين كنا نودّ أن ندرك حجم "ارتياحاتهم" الدائمة، في تعبهم اللاحق هذا، ولو في إبلاغ الأحياء التي داهمتها السيول، بعد ساعتين من وقوع المطر، لكن.. "ما عندك أحد"! هو مشروع حساب، لو كان فينا مثل "فرمان" قليلاً، لنقصت مواد اليوتيوب، والصور الصحفية، والجوالات/الكاميرات، والتغطيات الخاصة، ما سيزيد بدلاً منها، أعداد الأحياء، وأمثلة البطولة، ونماذج الشهامة، ولرأينا شجاعتنا في عرض الشارع، لا في ضيق الكاميرا، في وحول الأرصفة، لا في عناوين المنتديات، وردود "يسلمو.. والله مرّة شجاع"!
***
طبعاً، صديقيَ الراحل فرمان، إنهم الآن، يتسوّلون المسؤول نفسه، أن يبحث لك عن شارع يمنحك اسمه، كي يدوسوكَ أكثر. وربما كي يغرق الشارع في مطر قادم، فيرى عابرٌ "أجنبي" اسمَكَ على الطريق فيتذكّر البطولة، وربما لأنّ الشوارع لدينا رخيصة، ولأنّه لا يمكن أن نمنحك وسام الملك من درجة مميزة، مما نعطي أصدقاءنا الدوليّين الجيّدينَ بمنظورنا ، وأبناء العائلات المترفة، الحاصلين عليها بالنسب والحسب والبطون المترهلة. ولأنّك فقير، ولأنّ لدينا أثرياء، سيمنحون عائلتكَ نقوداً، وبيتاً، وعلاجات، وعجلات، وزيارات، وربما نجنّسهم، كي يكونوا بيننا في "غرقٍ" قادم.
***
إننا لا نمانع مثل هذا، لا نرفضه. فقط.. نريد أن تكون هديتنا الأولى لفرمان، هي أن نقول للأجنبيّ العابر: أنت أخونا، ونحن ذووك!! أن نرحم مرأى العمال المهاجرين في كدّ الظهيرة. أن تكسرنا ملامحهم، وهم يكدحونَ، بينما أعينهم هنالك في البعيد، تفكّر في طفلةٍ وطفلين، في أب وأم وزوجة شابةٍ تنتظر. أنّ ندرك ولو بجولة عابرة، أيّ أماكن مغلقةٍ، سيئة التهوية، والمعيشة يسكنون. أن نعرف أنّ هنالك بيننا آلاف المواطنينَ الآخرين، لا يمنحونَ هؤلاءَ رواتبهم، إن لم يأخذوا منها فرضاً شهرياً، وجزية دائمة!! أن ندرك أنّا نشأنا في بيئة، تقول للخادمة المنهكة: قومي ليلاً متأخراً، كي تعطي الطفلَ المدلّلَ كأس ماء، وللسائق المهموم برسالة حبيبته: قم الآنَ لأنّ مراهقة تريد أن تغيّر تلبيسة الهاتف المحمول. ولأنّ نفس القضية/الكارثة، أرتنا مقطعاً، كان فيه "فرمان" السعودي هذه المرة، يقول للمتطوّع الذي يوزع الحاجات على المتضرّرين: "سعودي أعطيه..أجنبي لا تعطيه!" نريد أن يكون فرمان، هديتنا الأولى، في احترام الأجنبيّ المقيم، في ظلّ وجود المواطن الراحل، خصوصاً مع فترة الشتاء الصائف هذا، وتقلّب الأجواء، ومن يدري، أي مطر سيأتي، وأي "فرمان" سيكون القادم؟!
نعم عزيزتي القيم ليست عند المواطن فقط
بل المقيم قد يكون لديه قيم ومباديء أكثر من المواطن
الذي في بعض الأحيان لا يرحم المقيم
موضوع رائع ومميز
باركك الله بك